الثلاثاء 21 أبريل 2026 الموافق 04 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
فن وثقافة

"أتنفس كالسمك من الخياشيم".. ذكرى رحيل الخال عبد الرحمن الأبنودي|تفاصيل

الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 02:54 م
الشاعر عبد الرحمن
الشاعر عبد الرحمن الأبنودي "الخال"

في مثل هذا اليوم، تحل ذكرى رحيل الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي (1938–2015)، أحد أبرز رموز شعر العامية في مصر، والذي رحل عن عالمنا قبل أحد عشر عامًا عن عمر ناهز 77 عامًا، بعد رحلة طويلة من الإبداع الشعري والإنساني، ترك خلالها بصمة لا تُمحى في وجدان الثقافة المصرية والعربية.

عاش الأبنودي حياة ثرية بالتجارب، جمعت بين البساطة والعمق، وبين المعاناة والقدرة على تحويلها إلى نصوص شعرية نابضة بالحياة. وبين لقبين طريفين التصقا به منذ طفولته وحتى سنواته الأخيرة، "رُمان" و"سمكة"، يمكن قراءة جانب من ملامح شخصيته الإنسانية، التي لم تفقد روح الدعابة حتى في أشد لحظات المرض قسوة.

وقبل وفاته بثلاثة أشهر تقريبًا، كان الأبنودي يتحدث بروح ساخرة عن معاناته مع المرض، إذ قال: "هلكني التدخين بشراهة، أنا الآن دون رئة، أتنفس كالسمك من الخياشيم، لكني لن أضيّع الأبنودي، المرض له علاجه، وأنا في حالي أقرأ وأكتب وأضحك وألعب"، في تعبير صادق عن تمسكه بالحياة، وإصراره على مواصلة الإبداع حتى اللحظات الأخيرة.

"لص الرمان".. بداية الحكاية

تعود قصة لقب "رُمان" إلى واقعة طريفة من طفولته في قرية أبنود بمحافظة قنا، حين تسلل الطفل عبد الرحمن إلى حديقة منزل أحد الجيران، ويدعى علي غزالي، طمعًا في سرقة بعض ثمار الرمان. لم يكتفِ بثمرة أو اثنتين، بل جمع عددًا كبيرًا وأخفاها داخل جلبابه، قبل أن يفاجئه ابن الجار، فيعجز عن الهرب، ويضطر إلى الصراخ طلبًا للنجدة.

ظنت والدته، فاطمة قنديل، في البداية أن ابنها سقط في البئر، لكنها سرعان ما اكتشفت الحقيقة. وبعد أن أُعيد الرمان إلى صاحبه، حضر الجار إلى منزل الأسرة، وسأل عن اسم الطفل، فأجابت الأم مازحة: "رُمان"، لتتحول الواقعة إلى لقب ظل يلازمه طوال حياته، ويحكيه بنفسه في لقاءاته، ومنها برنامج "أيامي الحلوة"، وكذلك في كتاباته التي نُشرت في جريدة الأهرام ثم جُمعت لاحقًا.

نشأة بين الصرامة والخيال

نشأ الأبنودي في بيئة عائلية تحمل الكثير من التناقضات، حيث كان والده شخصية صارمة، يتجنب الضحك أمام أبنائه، ويرفض لعبهم في الشارع، حتى أنهم كانوا يظنون أنه لا يحب وجودهم. وإذا نجح أحدهم دراسيًا، كان يقابله بعبارات قاسية مثل: "كنت عايز تسقط؟"، بينما كان في المقابل يظهر وجهًا مختلفًا تمامًا مع أصدقائه، يضحك ويلقي النكات.

عمل والده خطيبًا في مسجد سجن قنا العمومي، إيمانًا منه بأن السجناء هم الأجدر بالنصح والهداية، كما كان شاعرًا يكتب على نهج الشعر القديم، وصدرت له أعمال مثل "منحة المنان في مدح سيد الأكوان"، إلى جانب مؤلفات شعرية أخرى.

في المقابل، كانت والدته فاطمة قنديل تمثل عالمًا مختلفًا تمامًا، حيث عاشت على الحكايات الشعبية والغناء الفولكلوري والخيال الواسع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على شخصية الأبنودي، الذي ورث عنها الحس الفني والقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية البسيطة. وقد أقرّ في أكثر من مناسبة بفضل والدته وجدته عليه، مشيرًا إلى أنهما شكلتا وجدانه الفني والشعري.

كما تأثر الأبنودي بصديقه وابن عمه الشاعر أمل دنقل، الذي جمعته به صداقة قوية منذ أيام الدراسة، وظلت هذه العلاقة واحدة من أبرز محطات حياته.

أصل اللقب "الأبنودي"

تعددت الروايات حول أصل لقب "الأبنودي"، حيث تشير إحداها إلى أنه ورثه عن والده، الذي كان أول متعلم في قريته رغم رفض جده لذلك، بينما تشير رواية أخرى إلى أن اللقب مشتق من اسم قريته "أبنود" بمحافظة قنا، وهو ما كان يميل إليه الأبنودي نفسه في بعض أحاديثه.

وقد عانى والده في صغره، إذ اضطر للعمل في طاحونة يملكها رجل قبطي لتأمين قوت يومه، بينما كان يهرب أحيانًا إلى الكُتّاب لحفظ القرآن ودراسة الحديث، ما كان يثير غضب والده، الذي كان يعيده بالقوة إلى العمل.

البدايات مع أمل دنقل

التقى عبد الرحمن الأبنودي بصديقه أمل دنقل في مدرسة قنا الثانوية، حيث نشأت بينهما صداقة وثيقة، واشتركا في الأنشطة المدرسية، خاصة المسرح. وفي عام 1956، خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر، تلقى الطلاب تدريبات عسكرية استعدادًا للمشاركة في الدفاع عن الوطن، لكنهم كُلفوا في النهاية بأعمال الدفاع المدني، ما ترك أثرًا نفسيًا واضحًا عليهما، عبّرا عنه من خلال الشعر.

التحول إلى العامية

كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة عبد الرحمن الأبنودي عندما التقى مدرس اللغة الفرنسية توفيق حنا، الذي شجعه على الكتابة بلغة أهل قريته. ومنذ تلك اللحظة، قرر التخلي عن الفصحى، وكتب أولى قصائده بالعامية بعنوان "النعش طار"، ليبدأ مسارًا جديدًا جعله لاحقًا من أبرز رواد هذا اللون الشعري.

رحلة القاهرة والتعثر

سافر الأبنودي إلى القاهرة برفقة أمل دنقل، لكنهما واجها صعوبات كبيرة في الدراسة الجامعية، ما اضطرهما إلى العودة إلى قنا، قبل أن يعودا مجددًا إلى القاهرة لاحقًا. وقد تأخر الأبنودي في الحصول على شهادته الجامعية من كلية الآداب بجامعة القاهرة حتى بلغ 57 عامًا، بسبب انشغاله بالنشاط الثقافي والفكري.

بعد عودتهما إلى قنا، عملا كاتبين في المحكمة الجزئية، لكن الأبنودي قدّم استقالته في مارس 1962، ولحق به دنقل، ليعودا إلى القاهرة ويتفرغا تمامًا للشعر، وهي الخطوة التي شكلت نقطة انطلاق حقيقية لمسيرتهما الأدبية.

"جوابات حراجي القط".. ملحمة إنسانية

تُعد قصيدة جوابات حراجي القط واحدة من أبرز أعمال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وقد مرت بمراحل صعبة قبل أن ترى النور، حيث تم تمزيق أوراقها أثناء تفتيش منزله للقبض عليه عام 1966، ما دفعه إلى نسيانها لفترة.

لكن بعد ثلاث سنوات، عاد إليها من جديد حين سافر إلى موقع بناء السد العالي على نفقته الخاصة، بعد رفض طلبه بزيارة المشروع. وهناك، التقى بعمال من قريته، كانوا قد تحولوا من رعاة للماشية إلى عمال في مشروع قومي ضخم. عاش بينهم لعدة أيام، يشاركهم حياتهم البسيطة، ويأكل معهم ويستحم بمياه النهر.

في تلك الأجواء، استعاد شخصية "حراجي"، العامل البسيط، وكتب على لسانه خطابات إلى زوجته "فاطنة"، عاكسًا من خلالها التحولات الاجتماعية والإنسانية التي شهدها المجتمع المصري في تلك الفترة. وقد نجح الأبنودي في تقديم صورة صادقة ومؤثرة عن الإنسان البسيط، مستخدمًا لغة قريبة من القلب.

رحل عبد الرحمن الأبنودي، لكن كلماته ما زالت حية، تنبض بصدق التجربة وعمق الانتماء، ليبقى "الخال" حاضرًا في وجدان المصريين، كشاعر عبّر عنهم، وكتب بلغتهم، وحوّل تفاصيل حياتهم اليومية إلى شعر خالد لا يُنس