الثلاثاء 21 أبريل 2026 الموافق 04 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
فن وثقافة

في الذكرى الـ40 لرحيل صلاح جاهين.. كيف تحول فيلسوف البسطاء لأيقونة العامية؟

الثلاثاء 21/أبريل/2026 - 03:48 م
صلاح جاهين
صلاح جاهين

تحل اليوم، الذكرى الأربعين، لرحيل الشاعر والفنان الكبير صلاح جاهين، الذي توفي في 21 أبريل عام 1986، بعد مسيرة فنية وأدبية استثنائية جعلته واحدًا من أبرز رموز الثقافة والفن في مصر والعالم العربي، وأحد أهم من عبّروا عن روح الإنسان المصري البسيط في القرن العشرين.

وُلد صلاح جاهين في 25 ديسمبر عام 1930 بحي شبرا في القاهرة، في بيئة حضرية شعبية أثرت لاحقًا في تكوينه الإبداعي ورؤيته الفنية، التحق بكلية الفنون الجميلة لفترة، ثم انتقل إلى دراسة الحقوق، إلا أن شغفه الحقيقي كان في الكتابة والرسم والفن، وهو ما دفعه إلى ترك المسار التقليدي والتفرغ للإبداع الصحفي والفني.

بدأ جاهين مسيرته المهنية في مجال الصحافة، حيث عمل محررًا ورسام كاريكاتير في عدد من المجلات والصحف البارزة، وكان من أهمها مجلة "روز اليوسف" ومجلة "صباح الخير"، ثم انتقل إلى جريدة "الأهرام"، وهناك برز اسمه كأحد أهم رسامي الكاريكاتير في مصر، إذ كان يستخدم خطه الساخر البسيط للتعبير عن قضايا المجتمع والسياسة والهموم اليومية للمواطنين، بأسلوب يجمع بين الذكاء الفني والعمق الإنساني.

وفي موازاة ذلك، لمع اسم صلاح جاهين كأحد أعمدة شعر العامية المصرية، حيث قدّم أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية للمصريين، وعلى رأسها "الرباعيات" التي تُعد من أهم إنجازاته الشعرية، والتي لحنها الموسيقار سيد مكاوي، وغناها الفنان علي الحجار، لتصبح عملًا فنيًا خالدًا يمزج بين الفلسفة البسيطة والتأمل الإنساني العميق في الحياة والموت والقدر.

كما كتب أوبريت "الليلة الكبيرة"، الذي يُعد أشهر أوبريت للعرائس في مصر، وقدّمه صلاح جاهين بالتعاون مع كبار الفنانين، ليصبح عملًا فنيًا أيقونيًا يُعرض حتى اليوم ويجسد أجواء المولد الشعبي المصري بكل تفاصيله وحيويته. ومن أبرز أعماله الشعرية أيضًا قصيدة "على اسم مصر" التي عبّرت عن حب الوطن والانتماء، وقصيدة "تراب دخان" التي كتبها في أعقاب نكسة يونيو 1967، حيث انعكست فيها حالة الحزن والانكسار التي عاشها وجدان الأمة آنذاك.

وفي المجال السينمائي، ترك صلاح جاهين بصمة واضحة، إذ كتب سيناريو وحوار عدد من الأفلام المهمة، من بينها فيلم "خلي بالك من زوزو" الذي حقق نجاحًا جماهيريًا غير مسبوق، واستمر عرضه لأكثر من 54 أسبوعًا متتاليًا، ليصبح أحد أطول الأفلام عرضًا في تاريخ السينما المصرية. كما كتب أفلامًا أخرى مثل "أميرة حبي أنا"، و"شفيقة ومتولي"، و"المتوحشة"، والتي تنوعت بين الاجتماعي والدرامي والرومانسي.

ولم يقتصر حضوره على الكتابة فقط، بل شارك أيضًا في التمثيل في عدد من الأعمال السينمائية، من أبرزها فيلم "اللص والكلاب" عام 1962، حيث ظهر في دور صغير لكنه لافت، ليؤكد حضوره المتعدد بين الشعر والكتابة والرسم والتمثيل.

وعلى المستوى الإنساني والفكري، ارتبط صلاح جاهين بعلاقات وثيقة مع عدد من رموز الفن المصري، وكان من بينهم الفنانة سعاد حسني، حيث جمعتهما علاقة إنسانية وفنية أثرت في مسيرتهما. كما كان جاهين مؤيدًا لحركة الضباط الأحرار وثورة يوليو 1952، مؤمنًا بمشروعها الاجتماعي والسياسي في بداياته.

إلا أن هزيمة يونيو 1967 كانت نقطة تحول قاسية في حياته، إذ أصابته حالة من الاكتئاب العميق، انعكست بشكل واضح في كتاباته اللاحقة، وخاصة "الرباعيات"، التي حملت طابعًا تأمليًا حزينًا يعكس صراعه الداخلي مع الأسئلة الوجودية والخيبات الكبرى.

وعلى الصعيد الشخصي، تزوج صلاح جاهين مرتين؛ كانت الأولى من سوسن محمد زكي، وأنجب منها ابنته أمينة وابنه الشاعر بهاء جاهين، الذي سار على خطى والده في مجال الشعر. أما زواجه الثاني فكان من الفنانة منى جان قطان، وأنجب منها ابنته سامية جاهين، التي أصبحت لاحقًا عضوة في فرقة "إسكندريلا" الفنية.

ويُعد صلاح جاهين من أبرز شعراء العامية في مصر والعالم العربي، إذ امتدت إسهاماته لتشمل الشعر والمسرح والسينما والرسم، ليترك إرثًا ثقافيًا غنيًا ومتنوعًا. فقد كان صوته قريبًا من الناس، يعبر عن آمالهم وأحلامهم وآلامهم، ويقدم رؤية فنية تمزج بين البساطة والعمق، وبين السخرية والفلسفة.

كما عُرف بلقب "فيلسوف الغلابة"، نظرًا لقدرته على التعبير عن الإنسان المصري البسيط، ونقل تفاصيل حياته اليومية بلغة شعرية سهلة لكنها محملة بالمعاني. وقد تناول في أعماله قضايا اجتماعية ووطنية وسياسية، جعلته شاهدًا على عصره ومؤرخًا فنيًا لمرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث.

ورغم التحديات النفسية التي واجهها، ظل صلاح جاهين حاضرًا في الذاكرة الثقافية المصرية والعربية، حتى وافته المنية في 21 أبريل 1986، ليترك وراءه إرثًا فنيًا وإنسانيًا لا يزال حيًا حتى اليوم، ويؤثر في أجيال متعاقبة من الشعراء والفنانين والمبدعين.