سواقي الفيوم تستغيث.. تحول معلم تراثي عريق من واحة خضراء إلى مشهد عمراني يهدد هويته التاريخية
تقف سواقي الهدير في مدينة الفيوم اليوم في حالة من الصمت الذي يحمل الكثير من الدلالات حيث يختلط الحنين بالحسرة على ما وصلت اليه بعد ان كانت تمثل أحد ابرز المعالم التراثية في مصر وتعبر عن عبقرية الانسان المصري في استغلال الموارد الطبيعية وتحقيق التوازن بين البيئة والحياة اليومية هذا المشهد الحالي يعكس تحولات قاسية طالت المكان وحولته من لوحة طبيعية نابضة بالحياة الى مساحة محاصرة بالخرسانة والانشطة التجارية.
من بستان اخضر الى مشهد اسمنتي
يؤكد احمد عبد العال مدير عام اثار الفيوم الاسبق ان منطقة سواقي الهدير كانت حتى وقت قريب بمثابة واحة خضراء تتوسطها الاشجار الكثيفة والزهور وكانت تمثل متنفسا طبيعيا مهما لسكان المحافظة وزوارها كما كانت مقصدا سياحيا لعشاق الطبيعة والهدوء حيث كانت السواقي تدور بشكل دائم لتشكل لوحة حية تنبض بالحركة والجمال وتجذب الزائرين من مختلف أنحاء العالم.
لكن هذا المشهد تغير بشكل كبير نتيجة تدخلات عمرانية وصفها بالاخطاء حيث تم احاطة السواقي بكتل خرسانية واقامة مقاه ومحال تجارية ادت الى حجب الرؤية البصرية للسواقي وافقدت المكان طابعه الطبيعي والجمالي.
توقف السواقي وتراجع اعدادها
اوضح عبد العال ان معظم السواقي توقفت عن العمل ولم يتبق سوى ساقية واحدة فقط تعمل بشكل محدود بعد ان كانت محافظة الفيوم تضم نحو ثلاثة الاف ساقية تاريخيا وهو رقم يعكس حجم هذا التراث الفريد الذي كان منتشرا في ارجاء المحافظة.
واشار الى ان تاريخ هذه السواقي يمتد لاكثر من الفين وخمسمائة عام حيث تعود الى العصر البطلمي وقد ابتكرها المصريون القدماء لنقل المياه من المناطق المنخفضة الى الاراضي المرتفعة اعتمادا على قوة دفع المياه دون الحاجة الى اي مصادر طاقة وهو ما يعكس مدى التقدم الهندسي والمعرفة البيئية التي امتلكها المصري القديم.
فقدان الهوية البيئية والجمالية
لم يقتصر التغيير على الشكل العمراني فقط بل امتد ليشمل فقدان الهوية البيئية للمكان حيث اختفت المساحات الخضراء التي كانت تميز المنطقة وحلت محلها مظاهر التكدس العمراني كما استبدلت روائح الزهور بعوادم السيارات والدخان مما اثر بشكل واضح على جودة البيئة المحيطة.
كما تراجع دور المنطقة كمقصد للاسترخاء والفن بعدما كانت ملاذا للفنانين ومصدرا للالهام حيث كانت السواقي جزءا من المشهد الثقافي الذي ارتبط بالفن والموسيقى والسينما.
ارث فني وسياحي مهدد بالانقراض
يشير نبيل حنضل الخبير السياحي الى ان سواقي الفيوم لم تكن مجرد وسيلة للري بل كانت رمزا ثقافيا وفنيا يعكس هوية المكان وقد ارتبطت بالعديد من الاعمال الفنية لكبار المطربين مثل ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وشادية ومحمد فوزي كما ظهرت في عدد من افلام السينما المصرية الكلاسيكية التي جسدت جمال الطبيعة المصرية.
ويؤكد ان فقدان هذا المعلم او تراجعه يمثل خسارة كبيرة للقطاع السياحي حيث كانت السواقي عنصرا جاذبا للسياح ومحبي التراث والثقافة.
حرفة يدوية تواجه الاندثار
تعد صناعة السواقي من الحرف التقليدية التي توارثتها الاجيال عبر قرون طويلة حيث تعتمد على مهارات يدوية دقيقة وخبرة متراكمة في اختيار المواد المناسبة وطريقة التركيب
ويتحدث عم جابر احد ابرز الحرفيين في الفيوم عن تجربته التي امتدت لاكثر من خمسين عاما في صناعة السواقي التقليدية مؤكدا انه تعلم هذه الحرفة منذ الصغر وكرس حياته للحفاظ عليها باعتبارها جزءا من هوية المحافظة
واوضح ان السواقي تصنع من اخشاب قوية مثل السرسوع المقاوم للمياه الى جانب اخشاب التوت والسنط وهي مواد تضمن متانة الساقية وقدرتها على العمل لفترات طويلة
واكد ان السواقي التي تصنع يدويا اقوى من الحديثة بعدة اضعاف لكنها تواجه خطر الاندثار بسبب قلة الاهتمام وتراجع الطلب عليها في ظل التغيرات الحالية
تراجع الاهمية والاهتمام دمر الماضي والحاضر
اضاف عم جابر ان السواقي لم تعد تحظى بنفس الاهمية التي كانت عليها في السابق حيث تراجع دورها بشكل كبير نتيجة الاعتماد على وسائل حديثة للري الى جانب الاهمال الذي طالها وعدم وجود خطط واضحة للحفاظ عليها او تطويرها بشكل يتناسب مع قيمتها التاريخية.
مطالب بالتدخل العاجل
في ظل هذا الوضع طالب عدد من المهتمين بالتراث بضرورة التدخل العاجل من قبل الجهات المعنية وعلى راسها محافظ الفيوم محمد هانئ غنيم لاعادة النظر في اعمال التطوير التي تمت في المنطقة والعمل على تصحيح الاخطاء التي ادت الى تشويه الطابع التاريخي للسواقي.
كما دعوا الى ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه التغيرات واتخاذ خطوات جادة لانقاذ ما تبقى من هذا التراث الفريد والعمل على اعادة احياء المنطقة بشكل يحافظ على هويتها ويعزز من قيمتها السياحية والثقافية.
رد مديرية الري
من جانبه اوضح نصر كامل المتحدث باسم مديرية الري بالمحافظة ان مسؤولية صيانة سواقي الهدير تقع على عاتق المحافظة منذ نحو عشرين عاما مؤكدا ان دور قطاع الري يقتصر حاليا على اعمال تطهير المجاري المائية فقط ولا يشمل صيانة السواقي او تطويرها.
خاتمة المشهد
تعكس حالة سواقي الفيوم اليوم نموذجا واضحا لتحديات الحفاظ على التراث في ظل التغيرات العمرانية والاقتصادية حيث يقف هذا المعلم التاريخي بين ماض عريق وحاضر يهدده بالاندثار وهو ما يتطلب رؤية متكاملة تعيد الاعتبار لهذا الارث وتضمن استمراره كجزء من ذاكرة المكان وهوية اهله.




















