بعد تصريحات قرقاش.. خبراء يرسمون ملامح قواعد الردع الجديدة في المنطقة
في سياق إقليمي يتسم بتسارع التحولات وارتفاع منسوب المخاطر، جاءت تصريحات المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش خلال مشاركته في “ندوة مؤثري الخليج” التي أقيمت في دبي، لتؤكد أن الهجوم الإيراني الأخير على دول الخليج لم يكن وليد لحظة، بل عملية “مخطط لها منذ فترة طويلة”.
هذا التوصيف فتح الباب أمام قراءات تحليلية موسعة قدمها عدد من الباحثين والخبراء، عكست إدراكًا متزايدًا بأن المنطقة تقف أمام إعادة تشكيل جذرية لمفاهيم الأمن الإقليمي، في ظل تصدع التحالفات التقليدية، وفشل سياسات الاحتواء، وصعود مقاربات ردعية أكثر صرامة.
تصدع التحالفات وإعادة التموضع
أشار الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول إلى أن الموقف الإماراتي يعكس إعادة قراءة شاملة للمشهدين الإقليمي والدولي، موضحًا أن الحرب الجارية كشفت خللًا عميقًا في منظومات التحالف، سواء في علاقة إيران بحلفائها أو داخل التحالفات الغربية والإقليمية مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي.
وأضاف أن هذا التصدع بلغ مستويات غير مسبوقة، حتى باتت المخاوف الأوروبية من السياسات الأمريكية تتجاوز القلق من التهديدات الإيرانية، بما يعكس أزمة ثقة داخل المنظومة الغربية، مرجحًا إعادة تشكيل هذه التحالفات أو صياغة أطر جديدة بالكامل.
“2800 رسالة عداء” وفشل الاحتواء
وفي معطى لافت، أشار الزغول إلى أن إيران أرسلت نحو 2800 رسالة عداء مباشرة إلى دولة الإمارات، معتبرًا ذلك مؤشرًا على نمط عدائي ممنهج.
ويرى أن هذا الرقم يعكس انهيار منطق سياسات الاحتواء التي انتهجتها بعض دول الخليج عبر السنوات، سواء من خلال الوساطات الإقليمية أو الاتفاقات السياسية أو العلاقات الاقتصادية، موضحًا أن جميع تلك المسارات انتهت إلى ما وصفه بـ“نكران متكرر” وردود معاكسة.
ازدواجية القرار الإيراني
من جانبه، أوضح الخبير في الشؤون الإيرانية شادي دياب أن ما يجري يعكس ازدواجية داخل بنية القرار الإيراني بين مؤسسات مدنية وأخرى عسكرية، مشيرًا إلى أن ما سماه “الحكومة العميقة المسلحة” هو من يقود السلوك العدائي ويقوض التفاهمات الدبلوماسية.
وأكد أن المرحلة الحالية تفرض التعامل مع الواقع بناءً على “أسوأ السيناريوهات” في ظل مؤشرات على انقسامات داخلية داخل إيران.
من دولة إلى “عصابة” وردع جديد
أما الباحث في مركز زيدان للأمن والدفاع عدنان العبادي، فقد ذهب إلى توصيف أكثر حدة، معتبرًا أن ما جرى يمثل جريمة متعمدة تستهدف إسقاط فكرة الاحتواء، وأن النظام الإيراني بات يعتمد على أدوات غير تقليدية تتطلب ردعًا مماثلًا.
وأشار إلى أن دولًا خليجية، وفي مقدمتها الإمارات، نجحت في التعامل مع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة بقدرات دفاعية متطورة، ما يعزز التوجه نحو استراتيجيات ردع وربما سياسات استباقية تستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
مساءلة الغرب وسردية التاريخ
وفي قراءة تاريخية، ربط الباحث محمد قواص بين التطورات الحالية وسياقات ممتدة من العلاقة بين الغرب وإيران، معتبرًا أن سياسات الدول الغربية ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني عبر مراحل مختلفة.
واستحضر قواص ما يعرف بـ“إيران غيت” في ثمانينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أنه يعكس تداخلات معقدة في العلاقات الدولية، فيما اعتبر أن تراجع الدور الأمريكي يدفع دول الخليج نحو مقاربات أكثر استقلالية في الأمن والدفاع وإعادة تشكيل التحالفات.
وبين هذه القراءات المتعددة، تتقاطع التحليلات على أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتسم بإعادة تعريف قواعد الردع، وتراجع منطق الاحتواء، وصعود سياسات أكثر صرامة في إدارة التهديدات الإقليمية.





