انقسام غير مسبوق يهدد الفيدرالي.. وارش بين ضغوط ترامب واختبار أول تصويت حاسم
يواجه كيفن وارش اختبارًا معقدًا في أول اجتماع له على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مع تصاعد احتمالات الانقسام داخل البنك المركزي، في ظل ضغوط سياسية متزايدة من الرئيس دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة، مقابل تحفظات عدد من صناع السياسات.
ويجد وارش نفسه أمام معادلة صعبة: إما الاستجابة لمطالب البيت الأبيض بخفض سريع للفائدة، أو التماهي مع توجهات داخلية ترى أن الظروف الاقتصادية الحالية لا تدعم التيسير النقدي، ما يفتح الباب أمام احتمال نادر يتمثل في تصويته ضد إجماع أعضاء اللجنة.
وتاريخيًا، يُعد خروج رئيس الفيدرالي عن الإجماع أمرًا استثنائيًا، لم يحدث سوى ثلاث مرات فقط، مع بول فولكر عام 1986، وجي ويليام ميلر عام 1978، ومارينر إيكلز في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن الظروف الحالية توصف بأنها غير تقليدية.
انقسام داخلي وضغوط سياسية
شهد الفيدرالي مؤخرًا تصويت أربعة مسؤولين ضد القرار التوافقي، في سابقة لم تحدث منذ عام 1992، ما يعكس تصاعد الخلافات داخل لجنة السوق المفتوحة.
في الوقت ذاته، صعّد ترامب انتقاداته للبنك المركزي، ملوحًا بإجراءات قانونية وتحقيقات ضد مسؤوليه بسبب بطء خفض الفائدة، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة وارش في الحفاظ على استقلالية المؤسسة ومصداقيتها.
وكان وارش قد فاز بالمنصب جزئيًا بفضل طرحه رؤية تعتمد على طفرة الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقليص الميزانية العمومية للفيدرالي البالغة 6.7 تريليون دولار، كمسار يتيح خفض أسعار الفائدة دون إشعال التضخم.
اجتماع حاسم في يونيو
من المقرر أن يعقد أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة وارش يومي 17 و18 يونيو، وسط توقعات متباينة بشأن قرارات الفائدة، التي تتراوح حاليًا بين 3.5% و3.75%، مع ترجيحات ببقائها دون تغيير حتى 2027.
ويرى محللون أن وارش قد يحظى بـ"فترة شهر عسل" تسمح بتمرير خفض محدود للفائدة، لكنهم يحذرون من احتمال مواجهة معارضة قوية من زملائه، ما قد يضعه أمام خيارات صعبة مبكرًا.
دروس من عهد باول وتحديات المصداقية
واجه سلفه جيروم باول انتقادات مماثلة بشأن تزايد حالات الاعتراض داخل الفيدرالي، ما اعتبره البعض مؤشرًا على تراجع القدرة على بناء توافق داخلي.
وقد يؤدي تصويت وارش ضد الأغلبية إلى إضعاف موقفه داخل المؤسسة، كما قد يبعث برسائل سلبية للأسواق حول تماسك السياسة النقدية.
التضخم وحرب إيران يغيران المعادلة
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأميركي ضغوطًا تضخمية متزايدة، حيث ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي – المقياس المفضل للفيدرالي – بنسبة 0.7%، وهي أعلى وتيرة منذ عام 2022، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة حرب إيران.
وكانت الأسواق تتوقع قبل اندلاع الحرب خفضًا إضافيًا للفائدة خلال 2026، إلا أن صدمة أسعار النفط قلبت هذه التوقعات، في ظل استمرار حالة عدم اليقين.
وحذر باول مؤخرًا من أن موجة ارتفاع أسعار النفط لم تبلغ ذروتها بعد، ما يعزز من تعقيد قرارات السياسة النقدية في المرحلة المقبلة.
مواقف متباينة داخل الإدارة الأميركية
تعكس التصريحات داخل الإدارة الأميركية تباينًا واضحًا، حيث أبدى وزير الخزانة سكوت بيسنت مرونة تجاه تثبيت الفائدة، في حين شدد ترمب على ضرورة خفضها سريعًا.
ويرى مراقبون أن وارش يقف بين خيارين صعبين: إما أن يكون "درعًا واقيًا" لبقية أعضاء الفيدرالي، أو الحفاظ على علاقته السياسية مع البيت الأبيض، في معادلة قد تحدد مستقبله على رأس المؤسسة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن أول اختبار حقيقي لقيادة وارش لن يكون اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا ومؤسسيًا أيضًا، مع احتمالات غير مسبوقة لانقسام داخل واحد من أهم البنوك المركزية في العالم.





