الجمعة 01 مايو 2026 الموافق 14 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
اقتصاد وبورصة

الغاز الأميركي يفيض والعالم يواجه شحًا.. من يدفع فاتورة الحرب على إيران؟

الجمعة 01/مايو/2026 - 01:46 م
الولايات المتحدة
الولايات المتحدة

الولايات المتحدة ظلت تفيض بالغاز الصخري الذي جعلها بمنأى عن الأزمة الناجمة عن حرب إيران، في وقت تعيش فيه أسواق الطاقة العالمية اضطراباً حاداً انعكس على أوروبا وآسيا بارتفاعات قوية في الأسعار، بينما تراجعت أسعار الغاز الأميركية منذ بدء الصراع.

ومع خنق حرب إيران لإمدادات الغاز الطبيعي، اضطرت دول في آسيا وأفريقيا إلى تقنين الوقود وتحمّل انقطاعات في التيار الكهربائي، بينما زاد الصراع مخاطر تعرض أوروبا لأزمة طاقة خلال فصل الشتاء المقبل.

لكن على بعد آلاف الأميال، في قلب مناطق النفط الصخري الأميركية، يتوافر الغاز بكميات كبيرة جداً إلى حد يضطر المنتجون أحياناً لدفع المال للمشترين للتخلص منه. 

وفي حوض برميان الممتد عبر غرب تكساس ونيو مكسيكو، ساهمت شركات الحفر في جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط عالمياً، لكنها أغرقت المنطقة أيضاً بفائض من الغاز الطبيعي، المستخرج كمنتج ثانوي من الخام.

تخمة المعروض تهوي بأسعار غاز برميان
فاقت وفرة الغاز في حوض برميان سعة خطوط الأنابيب المتاحة لنقله إلى المستهلكين أو مرافئ التصدير الساحلية، ما يجعل المنتجين غير قادرين على تصريف الإمدادات ولو مجاناً. فأسعار الغاز في المنطقة ليست رخيصة فحسب، بل حتى سلبية، بمعنى أن المنتجين باتوا هم من يدفعون للمستهلكين. ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تهبط فيها الأسعار في المنطقة دون الصفر، إلا أنها بلغت اليوم أدنى مستوياتها التاريخية.

وينعكس هذا الفائض على السوق الأميركية ككل؛ إذ تراجعت أسعار العقود القياسية للغاز المتدنية أصلاً مقارنة بالأسعار العالمية، بنحو 10% منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

يأتي ذلك في تناقض صارخ مع أوروبا؛ حيث ارتفعت أسعار العقود الآجلة بنحو 40%، ومع آسيا التي قفزت فيها بأكثر من 50%، وسط سباق محموم بين الدول لتأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء وتدفئة المنازل.

وسجل الغاز في برميان مستوى قياسياً متدنياً عند سالب 9.60 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 24 أبريل، بينما جرى تداول العقود الأميركية مؤخراً دون 3 دولارات، في حين ارتفعت الأسعار في أوروبا وآسيا إلى مستويات تقارب ستة أضعاف نظيرتها الأميركية.

الغاز الرخيص يدعم الاقتصاد الأميركي في زمن الحرب

مع بدء تشغيل خطوط أنابيب جديدة هذا العام، يُتوقع ألا تدوم الأسعار السلبية للغاز في حوض برميان طويلاً. ومع ذلك، فهي تكشف عن وفرة ضخمة تمنح الولايات المتحدة أكثر من مجرد حماية من صدمات الطاقة المرتبطة بالحرب، إذ توفر أيضاً زخماً اقتصادياً إضافياً.

فإمدادات الغاز الرخيصة، بوصفها عنصراً أساسياً في التصنيع ومورداً حيوياً لتلبية الطلب المتسارع على الكهرباء المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي، تمنح الولايات المتحدة ميزة مقارنة بالدول التي تواجه نقصاً في الوقود.

وقال كريس لوني، مدير استراتيجية السلع العالمية لدى "آر بي سي كابيتال ماركتس" (RBC Capital Markets)، إن "أسعار الغاز الأميركية لم تظل أدنى من المقاييس العالمية فحسب، بل بقيت أيضاً بمنأى إلى حد كبير عن التقلبات" التي تضرب أسواق الغاز العالمية الرئيسية في أوروبا وآسيا.

وأضاف أن "أمن الطاقة النسبي هذا يصب لمصلحة الصناعات الأميركية التي تعتمد على الغاز الطبيعي كمادة أولية أو مصدر حراري صناعي، فضلاً عن القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات".
ويواجه الأميركيون بالفعل فواتير كهرباء متصاعدة، لكن لولا تخمة الغاز الطبيعي لكانت هذه التكاليف أعلى بكثير، فيما يخفف الغاز الرخيص من حدة الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.

طفرة الغاز الصخري تعزز هيمنة أميركا

دفعت الزيادة الهائلة في الإنتاج من الأحواض الصخرية، بما فيها حوض برميان، إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وشكل هذا الفائض ركيزة أساسية في مساعي الولايات المتحدة لتعزيز هيمنتها في قطاع الطاقة، عبر توفير حاجز يحميها من التقلبات العنيفة التي تفرضها الحروب على الأسواق.

وسجلت أسعار الغاز في برميان تكراراً لسيناريو الهبوط دون الصفر منذ عام 2019، لكن خلال العام الجاري بلغت الأسعار السلبية مستويات غير مسبوقة، بينما استقرت العقود الأميركية عند أقل من 3 دولارات، في مقابل أسعار عالمية أعلى بكثير.

وتنعكس هذه الأسعار المرتفعة خارج الولايات المتحدة مباشرة على التضخم العالمي، من خلال زيادة تكاليف الكهرباء والتدفئة والتصنيع، حيث تشير تقديرات إلى أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال عالمياً بنسبة 10% يضيف نحو 8 نقاط أساس إلى معدلات التضخم العالمية

من أزمة طاقة إلى أزمة غذاء

أدى شح الغاز في الأسواق العالمية إلى خفض إنتاج بعض منتجي الأسمدة، مع تحذيرات من أن أزمة الطاقة قد تتحول إلى أزمة غذاء، مع تراجع الإنتاج في شركات أسمدة في أوروبا وآسيا، بينها سلوفاكيا والهند، نتيجة ارتفاع أسعار الغاز أو توقف الإمدادات.

الغاز الرخيص يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

في المقابل، تمنح وفرة الغاز في الولايات المتحدة ميزة استراتيجية في التصنيع والذكاء الاصطناعي، وتحد من أثر أزمة الطاقة العالمية، بينما تبقى أوروبا وآسيا أكثر عرضة لتقلبات الأسعار ونقص الإمدادات، في مشهد يعكس تبايناً حاداً في خريطة الطاقة العالمية خلال مرحلة الحرب الجيوسياسية الحالية.