محمد الحلو: أحمد فؤاد نجم كان معجونًا بطينة مصر.. وقلبه الأبيض تحمل حدة لسانه
في حديث مفعم بالوفاء والذكريات الفنية، فتح الفنان القدير محمد الحلو، قلبه ليروي كواليس مثيرة ومواقف تُكشف لأول مرة عن علاقاته بأقطاب الكلمة والموسيقى في مصر، مسلطًا الضوء على كواليس تعديل كلمات للشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، وسر التعاون الفريد مع الموسيقار هاني شنودة.
وكشف الفنان القدير محمد الحلو، خلال لقاء تليفزيوني، عن العشق الاستثنائي الذي كان يحمله الشاعر أحمد فؤاد نجم لمصر، واصفًا إياه بأنه لم يكن مجرد حب عادي، بل كان معجونًا بتراب مصر وطينتها، وهو ما جعل كلماته تخرج قوية، عميقة، وتلامس قلوب البسطاء وكأنها جزء من حديثهم اليومي.
وفي مفاجأة من كواليس رائعة "أهيم شوقًا"، كشف الفنان محمد الحلو عن تدخل رقابي فني قام به بنفسه لتعديل شطر شعري وضعه الشاعر أحمد فؤاد نجم في الكوبليه الأخير للأغنية، حيث قال: “كان النص الأصلي الذي كتبه عم أحمد يقول: (هربت منك لقيتني فيك، بعدت عنك قربت ليكي، سهرت وحدي توانست بيكي، غلب حماري وتاه دليلي)، وفور قراءتها قلت له: يا عم أحمد، أنا لي رصيد ومكانة عند الجمهور، ولا يمكن أن أغني كلمة ”غلب حماري" في أغنية عاطفية وطربية كهذه".
وتابع راويًا رد فعل الشاعر أحمد فؤاد نجم: "في البداية تعجب وقال لي إنها كلمة دارجة وحلوة، لكني أصررت على الرفض واقترحت عليه بديلًا: (احترت والله وتاه دليلي)، فوافق عليها وأشاد بذكائي الفني".
ووصف الفنان محمد الحلو شخصية الشاعر أحمد فؤاد نجم قائلاً: "كان يمتلك قلبًا أبيض وطيبًا بشكل لا يصدق، ورغم أنه كان حاد اللسان أحياناً في مزاحه، إلا أنه كان يسعد كثيرًا عندما يجدني متمسكًا برأيي الفني، ويعتبر ذلك دليلًا على نضجي ورضائي عنه".
وحول كواليس أغنية وطنية حفرت اسمها في وجدان المصريين وهي "يا بويا مصر"، أشار إلى أن الأغنية كانت فكرته في الأساس، رغبة منه في تقديم عمل وطني مختلف ضمن ألبوم يضم أغنيات عاطفية، موضحًا أن الأغنية من كلمات صديقه الراحل الشاعر عصام عبد الله، الذي صاغها بذكاء مستلهمًا الروح الصعيدية، قائلاً: "لفتت نظري بشدة كلمة (يا بوي)، وهي اللفظة التي يطلقها الرجل الصعيدي الأصيل عندما يعبر عن حب جارف أو حلفان بالغالين، فجاءت الكلمة لتعكس حبًا لمصر يشبه القسم بحياتها".
ولفت إلى أن المفاجأة الأكبر في الأغنية فكانت إسناد ألحانها للموسيقار هاني شنودة، والذي كان معروفًا في تلك الفترة بابتكاراته الغربية والموسيقى الحديثة التي لا تدور في فلك الأغاني الشرقية التراثية البحتة، معقبًا على هذا التعاون قائلاً: "رغم ابتعاد الموسيقار هاني شنودة عن هذا اللون وقتها، إلا أنه قدم لحنًا عبقريًا ومصريًا خالصًا، وعندما سألته مندهشًا: (إيه يا خواجة ده؟ عملتها إزاي دي؟)، أجابني ببساطته المعهودة: (أرزاق يا محمد.. أرزاق)".
وأشاد بأخلاق الموسيقار هاني شنودة ووصفه بأنه "ابن ناس ومتربّي"، ليس بمفهوم الثراء المادي، بل بمفهوم الأصول والقيم التي نشأ عليها، مؤكدًا أن نجاح أغنية "يا بويا مصر" كان نتاج تكامل حقيقي بين الكلمة واللحن والأداء في زمن كان يحكمه التقدير المتبادل بين المبدعين.





